مقالات متنوعه

العقاب وتحقيق الردع والزجر

المنبر اليمني للتوعية الدستورية والقانونية
العقاب وتحقيق الردع والزجر

العقاب وتحقيق الردع والزجر

 

                           جمال محمد الجعبي المحامي

 للإجرام أسباب كثيرة وتحكمها حالات متعددة ولكل مجرم دوافع وأسباب يصعب معها حصر إمكانية تحقيق الردع والزجر عند إيقاع عقوبة ما على المجرم، وقد عرف بعض شراح القانون العقوبة بأنها “الجزاء الذي يوقع على مرتكب الجريمة لمصلحة الهيئة الاجتماعية” ، أو أنها ” عبارة عن ألم يصيب الجاني جزاء له على مخالفته نهي القانون أو أوامره”، باعتبار أن ” ألم العقاب هو الذي يلحق بالمجرم فيصيبه في جسمه أو ماله أو حقوقه أو شرفه..

” وفكرة الألم هذه لا تنفصل عن نظرية العقاب، فهي التي تتميز بها العقوبة عن غيرها من الوسائل القسرية، رغم أن الألم ليس هو الهدف من العقاب، وإنما هو الوسيلة لحماية مصالح المجتمع والسعي نحو منع العودة للإجرام من الجاني وفي ذات الوقت تحقيق الردع لبقية الأفراد في المجتمع، فالثابت أن التساهل تجاه من يرتكب مخالفة للقانون أو يعتدي على حقوق الغير دون أن ينال عقوبة تتلائم والفعل الذي أقدم عليه يمكن أن تتسبب في أن يقدم آخرين على نفس الفعل وهنا يتعرض المجتمع لخطر الفوضى وفقدان الأمن والسكينة، وهو ما يمثل إضرار بالأمن والصالح العام، فمن يضرب غيره ويعتدي على سلامة جسمه يحقق بسلوكه عناصر جريمة تمثل اعتداء على غيره وهذا اشق الخاص في الموضوع ولكن الجانب الآخر والمهم هو أنه إذا لم يتعرض لعقوبة تتناسب مع ما اقترفه من جريمة يمكن أن يدفع الآخرين على ممارسة نفس السلوك وهذا إضرار بالكيان الاجتماعي كله وليس على الشخص المعتدى عليه فقط.

وقد تركت معظم القوانين تقدير العقوبة للقاضي وفق حد أدنى وأعلى وضعه المشرع وترك وزن وتقدير القضية وظروفها ومعطياتها لقاضي الموضوع باعتباره أقدر من غيره على ملامسة ما سارت عليه القضية، وأسهمت الشروح القانونية في نظريات الظروف المشددة والمخففة للعقاب، ومحور دوران هذه الظروف يتمثل في مراعاة  تحقيق عناصر الردع والزجر للمجرم ومن يمكن أن يسلك سلوكه، وعند ضرب مثل على تحقيق ذلك الردع والزجر  لا يمكن تصور تحقيق هذه النتيجة من خلال الألم الجسدي فقط ولكن هناك ألم نفسي  بجانبه، فعقوبة الجلد في جرائم الزنا أو شرب الخمر يشترط عند تنفيذها أن يحضرها جمع من الناس والبعد الاجتماعي في العقوبة تضح هنا من خلال التعزير بالفاعل وإيصال رسالة للمجتمع مفادها أن هذا مصير من تسول له نفسه أن يقدم على هذا العمل، وبالمثل فإن تنفيذ القصاص عند إعدام القاتل يحقق نفس الهدف ويكون الأثر النفسي بالغ في من يشاهد تنفيذ الإعدام.

على أن هناك أنواع من المجرمين لا تؤثر بهم العقوبات خاصة متى كانت العقوبة ليست بالقدر الكافي، وهنا الأمر لا يخضع بالضرور لسلطة القاضي التقديرية  لأن القاضي مقيد بحدود النصوص القانونية، ويثير العديد من العاملين في مجال النيابة العامة هذه الإشكالية ويرون أن هناك مشكلة تتمثل في عدم قيام القضاء بإنزال العقوبة الكافية بأنواع من المجرمين، وبالتالي فإن الأحكام الجزائية لا تحقق عاملي الردع والزجر المطلوبين للحد من انتشار الجريمة وعودة المجرم إلى ارتكاب الجريمة مرة أخرى، وهذا يقابله رأي من القضاة بأن مشكلة النيابة تتمثل في أنها تمتلك سلطة الاتهام وسلطة التحقيق في نفس الوقت على ما تحمله السلطتين من تضارب مصلحة حيث أن ممثل النيابة يمارس صلاحيات قضائية كقاضي تحقيق مهمته تتمثل في البحث عن الحقيقة بحيادية، وفي نفس الوقت لديه مهمه أخرى تتمثل في توجيه الاتهام كممثل للمجتمع في مواجهة المتهمين، وحتى يخرج من المأزق يعمل – بالشعور أو اللاشعور – على البحث عن جانب الاتهام حتى يرتاح ضميره أو يتجنب  اتهام الشاكي له بالتقصير، عملاً بقاعدة تخالف مبدأ   ” أن يخطأ القاضي بالعفو خير من أن يخطئ بالعقوبة” ويستسهل توجيه الاتهام ويرمي العبئ على المحكمة، رغم أنه وفي ظل بطئ الإجراءات يمكن أن تتعرض حريات الأشخاص للانتهاك عن طريق الاحتجاز لمدة طويلة وعند ظهور براءته لا يملك أن يحصل على تعويض من ممثل النيابة الذي تسبب في ذلك لأسباب متعلقة بمتطلبات التحقيق، ولا يخفى أن هناك حالات يتعرض فيها الشخص للاحتجاز رغم براءته وبسبب احتكاكه أثناء الاحتجاز بالمجرمين يكتسب صفات تتسبب في انحرافه مستقبلاً، وهذا ما يجعل من الأهمية بمكان البحث بجديه في قضية تعديل تشريعي لفصل سلطة الاتهام عن سلطة التحقيق عن النيابة العامة وإيجاد قاضي تحقيق مستقل..بما من شأنه مساعدة قاضي الحكم في تخفيف كمية القضايا التي ينظرها ويستطيع من خلال ذلك تقدير العقوبة بما تمثله من ردع وزجر بصورة أكثر وضوح وسهولة.

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق