قانونمقالات

المرأة والحدث والسجون

المنبر اليمني للتوعية الدستورية والقانونية
المرأة والحدث والسجون

المرأة والحدث والسجون

 

                                              جمال محمد الجعبي

                                                

   المدير التنفيذي للمنظمة اليمنية

                                                                            للدفاع عن حقوق الانسان والحريات الديموقراطية

المقدمة:

لا يمكن أن نتحدث عن السجون والنزلاء في هذه السجون أكان النزيل رجل أو امرأة أو حدث في الجانب القانوني النظري كنصوص مجردة،  سواء كانت هذه النصوص دستورية أو قانونية أو اتفاقيات ومعاهدات دولية، بمعزل عن الثقافة الاجتماعية السائدة بما تحمله من نظرة للسجن والمسجون،  وإلا كان الحديث قاصراً ولا يتجاوز الورق الذي كيب عليه، ولعل دراسات وأبحاث عديدة تم انتاجها وصلت الى ما يمكن اقراره كحقيقة- ليست مطلقة ولكنها نسبية- بأن هناك فجوة كبيرة بين النصوص المجردة والواقع المعاش على الارض، وهو ما يقتضي جهود كبيرة لمحاولة ردم الفجوة كجهد مشترك بين الدولة والمجتمع بمنظماته وناشطيه.

والثابت أن هذه ليست حالة يمنية خاصة، ولكنها ظاهرة تخضع لطبائع البشر القائمين على انفاذ القوانين، سواء في الدول المتقدمة أو المتخلفة ، الديموقراطية أو غير الديموقراطية، وإن كان الامر يظهر بوضوح ويأخذ أبعاده المأساوية في الدول المتخلفة أو الفقيرة والتي تكون الاختلالات فيها ظاربة جذورها في هياكل الدولة كمؤسسات وأفراد، وهنا يمكن القول أن التميز يصبح صعب في حالة المساجين بحسب خصوصيتهم حيث يفترض في القوانين أنها تراعي وضع المرأة والحدث لاعتبارات فسيولوجية واجتماعية، فالاختلال لا يميز بين المساجين ولكن عموم الوضع يطغى على خصوص الحالة.

ومع ذلك تظل المرأة والحدث أكثر من يعاني اختلال الاوضاع وتتضاعف المعاناة لدى هذه الفئة ممن ساقتهم الظروف الى السجن،  وعن وضع المرأة في السجون اليمنية يقول سالم محمد ناصر (ضابط ميداني اللجنة الدولية للصليب الاحمر-صنعاء)” يعتبر وضع السجينات باليمن مقلقاً، حيث أن معظمهن مسجونات بسبب قضايا اخلاقية، مما يجعلهن مجموعة مستضعفة بشكل خاص في هذا المجتمع الاسلامي المحافظ” وأهم المشاكل التي تواجهها المرأة في السجن كما يقول تتمثل في “عدم زيارة الاهل، انعدام الرعاية للاطفال المحتجزين مع امهاتهم، سوء الرعاية الصحية، انعدام التعليم أو أي نشاطات ، عدم اعادة الاندماج”

 البنية التشريعية في اليمن

إن الحديث عن الوضع التشريعي لا يعني التسليم بعدم وجود قصور في هذا الجانب ولكن المشكلة أن القصور في القانون يختفي عند وجود خلل  في تفعيل واعمال النصوص الموجودة بالفعل.

وهناك ثلاث مستويات للبنية التشريعية في الجمهورية اليمنية بشأن السجون وهي تتدرج بدأ  بدستور الجمهورية اليمنية والقانون رقم ( 48) لسنة 1991م بشأن تنظيم السجون،  و القرار الجمهوري رقم (4) لسنة 1999م بشأن اللائحة التنظيمية لمصلحة السجون.

كما أن هناك معالجات خاصة للسجناء من النساء والأحداث جرى التطرق لها في بعض القوانين الاجرائية والعقابية ومنها القانون رقم (40) لسنة 2002م بشأن المرافعات والتنفيذ المدني . والقانون رقم (13) لسنة 1994م بشأن الإجراءات الجزائية . والقانون رقم (12) لسنة 1994م بشأن الجرائم والعقوبات. القرار الجمهوري رقم (24) لسنة 1992م بشأن رعاية الأحداث وتعديلاته بالقانون رقم   (26) لسنة 1997م .

أما الاتفاقيات الدولية فقد اعتبرت في مصاف النصوص الدستورية حيث أكدت المادة (6) من الدستور على تأكيد الدولة على ” العمل بميثاق الامم المتحدة والاعلان العالمي لحقوق الانسان وميثاق جامعة الدول العربية وقواعد القانون الدولي المعترف بها بصورة عامة” ومن هذه الاتفاقيات التي صادقت عليها الجمهورية اليمنية الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية( مصادق عليه في 9نوفمبر 1987)، واتفاقية مناهضة التعذيب  وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة التي صادقت عليها اليمن (5 نوفمبر 1991م)  الذي  نصت المادة (6) من الدستور على الالتزام بالعمل به صراحة وهناك  اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللإنسانية أو المهينة ( التي صادقت عليها في 5 نوفمبر1991م ) .وهناك مجموعة قواعد الحد الأدنى لمعاملة المسجونين التي أقرتها الجمعية العامة للمؤتمر الدولي الأول للأمم المتحدة لمكافحة الجريمة ومعاملة المسجونين  جنيف عام 1955م ولكن اليمن لم تصادق عليها حتى الآن.

أحكام قانون تنظيم السجون:

في ملاحظة لا فته يقول الفقيه القانوني والمحامي الاستاذ أحمد الوادعي ” أننا إذا سحنا في أبواب وفصول قانون السجون ولائحته التنفيذية سنكتشف مفاجأة قد لا يصدقها أحد وهي أن القانون واللائحة لم يحدثا عن السجن ذاته باعتباره المكان الذي يودع فيه السجين بحسب  تعريف قانون السجون ذاته في المادة(2) فأنت قد تجد أي شيئ في القانون واللائحة إلى الحديث عن السجن ذاته كمكان للسجناء، فالمشرع لم يكن معنياً بالمكان الذي يتعين تسكين السجين فيه، فلم يلزم السلطة المعنية في الدولة توفير سجن على المواصفات التي يتعين أن يكون عليا وانما أغفل ذلك كلية، وهو ما يعني أن كل مكان يمكن الاحتفاظ فيه بالسجين دون أن يهرب يصلح سجناً في نظر القانون مهما كانت حال هذا المكان من حيث ملائمته لسلامة السجين، وصحته ومعيشته طوال مكوثه فيه، وليس في القانون ما يمنع احتجاز السجين في مكان يعرض صحته للخطر أو لا يتمكن فيه السجن المقبول واللائق بانسانيته” وهذا يمثل صورة عامة لحالة السجون من خلال النصوص التي أهملت تعريف السجن كمكان وهذا في ظل وجود ما يعرف بالسجون الخاصة التي يقيمها بعض المشائخ وحتى بعض المؤسسات الحكومية  يجعلنا أمام خلل تشريعي ينعكس على القانون الذي   يهدف من قانون تنظيم مصلحة السجون كما حددته المادة (3) الى معاملة المساجين داخل السجون بما يحقق ” اصلاح وتقويم وتأهيل المسجونين من خلال استخدام كافة الوسائل والمؤثرات التربوية والتعليمية والطبية والتدريب المهني والخدمة الاجتماعية والأنشطة الرياضية والثقافية والترفيهية.

و” خلق الرغبة والجنوح لدى المسجونين نحو الحياة الشريفة والمواطنة الصالحة”

و أكدت المادة (5) من القانون على أن نشاط المصلحة يهدف إلى ضمان اعادة تربية المسجونين وغرس روح حب العمل والتقيد بالقوانين لديهم ولا يجوز الحاق الضرر المادي والمعنوي بالمسجونين أثناء تنفيذهم للعقوبة في السجن..

وبشأن حالة المرأة فقد أفرد وعالج القانون وضع المرأة الحامل حيث تنص المادة (27)- وهي مادة جرى عليها تعديل بالقانون رقم (26) لسنة 2003م-  على أنه ” يجب أن توفر للمرأة الحامل المسجونة قبل الوضع وأثناء الوضع وبعده العناية والرعاية الطبية اللازمة وفقاً لتوجيه الطبيب المختص وبحسب اللائحة، ويجب على السلطات المختصة أن تعطي المسجونة الحامل أو الأم الغذاء المقرر لها، وفي جميع الأحوال تعفى المرأة الحامل والمرضع المشمولة بأحكام هذه المادة من التدابير التأديبية المقررة على السجناء طبقاً لأحكام هذا القانون”، أما المادة (28) فقد عالجت  وضع المرأة المسجونة طفلاً في السجن حيث منعت المادة  ذكر ذلك في السجلات الرسمية  ، كما منعت ابقاء المولود في السجن مع والدته بعد بلوغه سنتين من العمر ويسلم لوالده ، أو احد اقاربه إلا إذا قرر الطبيب المختص ان حالة الطفل لا تسمح بذلك، وتوسعاً في هذا الموضوع فقد نصت المادة  (29) على أنه ” إذا لم يكن للمولود في السجن والد أو أقارب مأمونين وجب تسليمه للسلطة المسئولة عن دور الرعاية بواسطة المحافظ الذي يقع  السجين في دائرة اختصاصه ويجوز بقاء الطفل في السجن لاسباب مقنعة بأمر الوزير “.

وحيث تقضي المادة(32) بفصل السجناء الذكور عن الاناث والاحداث عن البالغين فقد أوكلت المادة (33) مهمة رعاية وحراسة وادارة شئون السجناء من النساء الى النساء وهو ما بدأ يجد طريقة للتنفيذ عن طريق الشرطة النسائية وإن كان الوضع يختلف في المحافظات النائية والبعيدة عن العاصمة حيث نقلت احدى الصحف شكوى من وجود سجن للنساء في احدى المديرات في منزل مديرة  السجن والسجن عبارة عن غرفة واحدة.

وفي قانون الاجراءات الجزائية ترد أحكام تتعلق بسجن المرأة حيث يتم مراعاة حالات خاصة بالمرأة ومن ذلك ما تنص عليه المادة (500)  من قانون الإجراءات الجزئية على أنه”  إذا كانت المحكوم عليها بعقوبة سالبة للحرية  حبلى جاز تأجيل تنفيذ هذه العقوبة حتى تضع حملها وتمضي مدة لا تقل عن شهرين على الوضع، فإذا رؤي التنفيذ عليها وجب معاملتها معاملة خاصة ومناسبة لحالها” ويرى العديد من العاملين في مجال القضاء والباحثين أن هذا النص لا يتم العمل به لأسباب تعود لشحة الامكانيات والقصور في الوعي القانوني لدى القائمين عليه.  

 والحال نفسه مع حكم المادة (501)  من قانون الإجراءات الجزائية التي تنص على أنه” إذا كان محكوم على الرجل وزوجته بالحبس مدة لا تزيد عن سنة ولو عن جرائم مختلفة ولم يكونا محبوسين من قبل جاز تأجيل تنفيذ العقوبة على أحدهما حتى يفرج عن الآخر وذلك إذا كانا يكفلان صغيراً لم يتجاوز الثالثة عشرة من عمره وكان لهما محل إقامة معروف بالبلاد”.

أما في قانون رعاية الاحداث فإن المادة (35) قد أعطت تدابير خاصة للتعامل مع الاحداث عند قضائهم لعقوبة سالبة للحرية حيث نصت على أنه ” يكون تنفيذ العقوبات المقيدة للحرية المحكوم بها على الأحداث في أماكن منعزلة داخل المؤسسات العقابية على أن تقوم هذه المؤسسات بتدريبهم وتأهيلهم مهنياً واجتماعياً وفقاً للأسس والمعايير التي تحددها اللائحة التنفيذية لهذا القانون” ومن جهة اخرى أعطى القانون سلطة واسعة للمحكمة في مراقبة حالة السجن للحدث حيث تنص  المادة (41) على أنه “أ- يجوز للمحكمة التي أصدرت الحكم بتوقيف الحدث أن تأمر بنقل الحدث من دار تأهيل الأحداث إلى المكان المخصص للأحداث في السجن للمدة التي تراها إذا كان الحدث سيء السلوك ويشكل خطورة على الدار ونزلائه.

ب- إذا تم الحدث الخامسة عشر من عمره قبل إتمام المدة المحكوم بها ينقل إلى السجن لاتمام بقية عقوبته بقرار من المحكمة التي أصدرت الحكم ويجوز لتلك المحكمة بناء على طلب خطي من النيابة أن تمدد بقاء الحدث دون نقله إلى السجن إلى أن يتم سن السادسة عشر من عمره وذلك لإتمام تعلم المهنة التي بدأها” . والحال أنه لا يجري اللاتزام بهذه النصوص للأسباب كثيرة منها ما يعود للقائمين على التنفيذ أو للنقص في الامكانيات.

المرأة المنبوذة:

عند الحديث عن قانون السجون تعمدت تأخير الحديث عن حالة أو مأساة انسانية تتعرض لها المرأة في السجن بعد انتهاء مدة العقوبة،  وهي متعلقة بعدم السماح بخروج المراة من السجن عند انتهاء مدة العقوبة مالم يتقدم أقاربها لاستلامها، فالمادة (11) تنص على أنه ” يجب على ادارة السجن ..

ان تفرج عن المسجون صباح نفس اليوم لانتهاء مدة السجن المنصوص عليها في الحكم” ورغم أن النص واضح في توجيه الخطاب الى المنشأة العقابية نفسها لكن نلاحظ أن ذلك لا يحدث حيث يقتضي الافراج أجراءات ادارية ومتابعة طويلة قد تمتد الى أشهر، أما بالنسبة للمرأة فالوضع أكثر صعوبة ومبعث الصعوبة ليس الاجراءات الادارية فقط ولكن قانون عرفي ليس له سند في التشريعات وهو اشتراط ادارة السجن قيام أقارب المرأة المسجونة باستلامها وإذا لم يحدث ذلك في ظل تخلي الاهل عن المرأة المسجونة يكون على المرأة أن تقضي فترات أطول من المقررة للحبس،  ويقول مدير السابق للسجن المركزي بصنعاء أنه ” مع الاسف الشديد المجتمع لا ينصف المرأة المجرمة، وينظر إليها على انها امرأة منحرفة وهذه النظرة ليست قاصرة على مجتمعنا فحسب بل انها في أكثر البلدان العربية، وهناك بعض النساء والفتيات لم يسأل عنهن أهاليهن بعد انتهاء فترة عقوبتهن، وفي هذه الحالة نلجأ الى النيابة لأننا لا نحبذ أن تبقى المرأة في السجن بعد انتهاء عقوبتها، فمثلاً هناك سجينة لم يأت أهلها لاستلامها مما اضطرنا الامر لتشغيلها في السجن فأصبحت عاملة في السجن وليست محبوسة” وهنا نحن امام موقف ليس له سند من القانون، وإن كان يتطرق لحل تمثل في توظيف المسجونة لتصبح عامل بدل نزيلة، والسؤال ما الذي يمنع من قيام الدولة من انشاء جمعية تتولى استلام المرأة من المنشأة العقابية وتوفير مصدر دخل عن طريق مشغل خياطة  أو غير ذلك من وسائل العمل التي توفر للمرأة مأوى ومصدر دخل ، وهذا لا يتعلق بحقها في الخروج من السجن إلا بشرط وجود من يستلمها من أقاربها إذ أن حقها في الخروج من السجن بانتهاء مدة العقوبة يجب ألا يكون هناك قيد عليه.

إذاً نحن هنا أمام فجوة كبيرة بين التشريع والواقع، والضحية المرأة والحدث.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق