دراساتمساهمات

خارطة الفساد في اليمن أطرافه النافذة

ملخص: كتاب خارطة الفساد في اليمن (أطرافه النافذة)     الكتاب من تأليف د. يحيى صالح محسن

الطبعة الأولى 2010م

عدد الصفحات (432)

لوحة الغلاف، الفنان عبد الله المجاهد

الناشر المرصد اليمني لحقوق الانسان.

رقم الايداع بدار الكتب في صنعاء

 (66-2010م)

تلخيص وتعليق/ أنس القاضي  

مفاهيم الفساد

لم تعد خطورة الفساد تقتصر على استنزاف الموارد المالية؛ بل تنخر القيم الأخلاقية والاجتماعية لعل أخطرها التعايش مع الفساد والبيئة الفاسدة، والشروط المولده له.

تعريف الفساد وتحديد مفهومه يتغير ويتطور بحسب آلياته ووسائله وآثاره بالظروف المحيطة به، والتطورات التقنية وبحسب طبيعة الأنظمة الحاكمة، والصلاحيات التي تمتكها السلطات.

الفساد ظاهرة متشعبة ومتعددة الجوانب ويتداخل بها السياسي والقانوني والاجتماعي والثقافي والاقتصادي، والعنصر الاقتصادي هو العنصر الأساسي في هيكل الفساد كونه الحقل الذي تتكالب عليه الأطراف الفاسدة بحكم ارتباطه بالمال وبالمنفعة المادية وباحتكارها للسلطة الاقتصادية.

يعرف الفساد بأنه: إﺳﺎءة اﺳﺘﺨﺪام المنصب اﻟﻌﺎم ﻣﻦ أﺟـﻞ تحقيق المناصب الشخصية، كما أن الفساد هو شكل من أشكال السرقة، تنقل الثروة والملكية العامة، إلى خارج الدولة، لجلب المنفعة الخاصة.

ويعرف الفساد أيضاً بأنه: تلاعباً توزيعياً يتضمن نقلاً للثروة بصورة عشوائية أحياناً ومقصوده ومخططه أحياناً أخرى من عموم المواطنين إلى اقليات مقتدرة، ليصبح شكلاً جديداً للتراكم يُجبر فيه المجتمع على تمويل وإثراء هذه الأقلية بوسائل تحايلية وغير قانونية في الغالب من الأحوال.

الفساد علاوةً عن كونه ممارسة من جانب الأثرياء عادةً والمتنفذين في الأجهزة الحكومية والشركات الكبرى، محلية كانت أم دولية، فهو أيضاً ترسيخ لواقع الظلم الاجتماعي وأداة من أدوات الاستقطاب الطبقي ليس على أساس الجدارة الاقتصادية والمهنية، وإنما على أسس أخرى مثل استغلال النفوذ والتعسف في استخدام السلطة التنفيذية، أو حتى سُلطة التشريع أو استخدام منصات القضاء في غير محلها المرسوم.

أشكال الفساد المُجرّمة قانونياً

  • رشوة الموظفين الحكوميين المحليين والموظفين الأجانب، وموظفي المؤسسات الدولية العمومية.
  • اختلاس الممتلكات أو تبديدها أو تسريبها.
  • المتاجرة بالنفوذ.
  • إساءة استغلال الوظائف.
  • الإثراء غير المشروع والرشوة في القطاع الخاص.
  • اختلاس الممتلكات في القطاع الخاص.
  • غسل عائدات الأموال الموظفة في الأفعال المجرمة.
  • إخفاء الممتلكات العامة.

الأركان والخصائص العامة للفساد

استغلال المنصب العام في مؤسسات الدولة والحكومة بالكسب غير القانوني.

ارتباط الفساد بسرقة المال العام والممتلكات العامة.

استغلال السلطة في ممارسة السيطرة والنفوذ وخرق النُظم والقوانين.

بعض حالات الفساد تحولت إلى منظومة في إطار العلاقات الدولية، ولم تعد ظاهره محلية وإنما عابرة للحدود.

كما أن اﻟﻔﺴــﺎد ﻧﻘــﻴﺾ ﻟﻠﺤﻜﻢ اﻟﺮﺷـﻴﺪ وﻳﺘﻌـﺎرض ﻣﻊ ﻗﻴﻢ النزاﻫﺔ واﻟﺸﻔﺎﻓﻴﺔ، وﻛﻠﻤﺎ اتسعت رﻗﻌـﺔ اﻟﻔﺴــﺎد وﺧﺎﺻﺔ ﰲ اﻟﺒﻠــﺪان اﻟﻨﺎﻣﻴــﺔ، كلما ﻛﺎﻥ ذﻟــﻚ ﻋﻠﻰ ﺣﺴﺎب الاستثمار والتنمية والاستقرار.

ﻣﺴﺘﻮﻳﺎت وأﺷﻜﺎل اﻟﻔﺴﺎد

 المستوى الأول:

الفساد الفوقي الكبير، أي فساد النخبة في هياكل الدولة والسلطة العليا، التي تمتلك علاقات وشبكات ومصالح واسعة، مع ممثلي الشركات والمؤسسات التجارية، والاستثمارية الكبرى الأجنبية والمحلية. فهذه السلطة العليا ﺗﺴﻴﻄﺮ ﻋﻠﻰ ﻣﺮاﻛﺰ اﻟﻘـﺮار اﻟﺴﻴﺎﺳـﻲ والاقتصادي وعلى مصادر المعلومات الأجهزة الأمنية والقضائية.

تتجلى سطوة نفوذ السلطة القوي وبشكل كامل، في الاستثمارات الحكومية والمقاولات الكبيرة والقروض والتصرف بالأراضي والأملاك العامة.

 المستوى الثاني:

الفساد التحتي (الفساد الصغير) أو الفساد في المستويات الدنيا كالإدارات، والذي يتغلغل في المفاصل الإيرادية لأجهزة الدولة، والإدارات الضريبية والجمركية والمؤسسات المالية الحكومية، الأخرى، أو الخاصة التي تحتك بالمواطن بصورة مباشرة كهيئات منح التراخيص وأجهزة الرقابة والتفتيش ومؤسسات الخدمة المدنية، إضافة إلى الفساد “المقيم” في أروقة المحاكم وإدارات الأمن والشرطة.

آثار الفساد الاقتصادية السياسية 

يؤثر الفساد على:

  • أداء وكفاءة تشغيل الاقتصاد الوطني، ويؤدي إلى تراجع معدلات النمو وزيادة معدلات الفقر والتضخم وإبطال أو تعطيل جهود الإصلاح والتنمية.
  • تشوه صور البلد في المحيط الخارجي الإقليمي والدولي وعزلتها وشطبها من خارطة ومناطق الجذب الاستثماري.
  • زيادة المشاكل الاقتصادية والاضطرابات السياسية وهجرة رؤوس الأموال الوطنية إلى الخارج وانخفاض احتمالات الحصول على القروض والمعونات اللازمة لعمليات التنمية.
  • تفاقم أزمة الديون بسبب تزايد القروض الموجهة في المشاريع غير الانتاجية أو الثانوية الهامشية التي يكون مردودها شكلياً، وغير ذي جدوى للاقتصاد الوطني لكنها تدر عمولات كبيرة على النخب.
  • سوء تخصيص وتوظيف الموارد التي عادة ما تكون شحيحة وإعادة توزيع الدخل لصالح أطراف الفساد ونفوذها والحيلولة دون حدوث التراكم المالي والإنتاجي في البلد. (الذي يؤدي إلى عدم التناسب بين وضع الاقتصاد وبين النمو السكاني المطرد في بلادنا)
  • إضعاف رؤوس الأموال الكفؤة عبر الإخلال بمبدأ التنافس الحر وتكافؤ الفرص، وهوَ ما يؤدي إلى تهالك القطاع الخاص. (بجانب تهالك القطاع العام، وتحول البلد يوماً فيوماً إلى مجرد سوق استهلاكية أو وحدات اقتصادية صغيرة تعمل بطريقة بدائية، منفصلة عن حركة الاقتصاد الوطني، والتطورات العالمية في ميادين الاقتصاد المختلفة)
  • تعزيز مكانة الاحتكارات المتطفلة الطارئة المرتبطة بمراكز النفوذ العليا والتي تستأثر في نشاطات القطاعات الاقتصادية الأكثر ربحية. (وتترك الاستثمار في القطاعات الانتاجية الكبيرة التي تقع دورتها المالية في الداخل الوطني).
  • تفاقم حدة التفاوت الطبقي، في أوساط المجتمع، واستحواذ النخب المتنفذة على الموارد العامة، والمال العام، وتحول السُلطة إلى مصدر للثروة والإثراء يقابل ذلك مزيدٌ من انحدار الطبقة الوسطى واتساع دائرة الفقر والفقراء الذين يحرمون من الاحتياجات الخدمية الأساسية.
  • تفقد خزينة الدولة العديد من الإيرادات بسبب التهرب الضريبي والإعفاءات الضريبية غير القانونية، والفساد المستشري في أروقة الدوائر الضريبية والجمركية.
  • تقويض الكفاءة الإدارية وهجرة الكوادر المؤهلة والخبرات الوطنية إلى الخارج.
  • تهريب الأموال الناتجة عن الفساد إلى الخارج وتوظيفها في عمليات الجريمة المنظمة وتبييض الأموال كجرائم التجارة بالمخدرات وصفقات السلاح.
  • يقوض الفساد أسس النظام السياسي وينسف إمكانيات تحقيق الديمقراطية، والحكم الرشيد.
  • يؤدي إلى اضمحلال وشلل مؤسسات الدولة عبر الاخلال بالتوازن ومبدأ الفصل بين السلطات، كما يؤدي إلى تقويض وتآكل شرعية الحكم، وإضعاف السلطة القضائية وحكم القانون، وتشويه المؤسسات الرقابية وغياب عمليات المساءلة والمحاسبة.
  • تُحوَل المؤسسات من خدمة الصالح العام، إلى خدمة فئة صغيرة، فاسدة تهيمن على الثروة والسُلطة، وتقوم بانتهاك مبادئ المواطنة المتساوية، ومبدأ حماية الحقوق السياسية ومبدأ تساوي الجميع أمام القانون، وكذلك الحقوق الاجتماعية والاقتصادية الدستورية.
  • تقويض ثقة المواطن بالنظام السياسي الذي يسخر مقدرات وموارد الدولة لصالح سلطة وأقطاب الفساد، ويترتب عليه حالة من الإحباط والنفور أو الإحجام عن المشاركة في الحياة السياسية (والنفور عن قضية الدفاع عن الوطن، الذي يولده هذا الاغتراب خاصة بين أبناء المدن).
  • يخلق حالة من الفوضى وتفشي العنف والقمع، وعدم الاستقرار السياسي، وهيمنة الاستبداد لمواجهة المعارضين لسلطة الفساد. ويتحول الفساد إلى مرتع خصب لنشاط الجماعات الإرهابية كما يؤدي إلى انقسامات اجتماعية وسياسية وظهور مراكز قوى متنفذة خارج القانون، والمؤسسات الرسمية.
  • لجوء المواطنين إلى مراكز القوى وإلى القبيلة والعشيرة في الحصول على الحماية وعلى نيل حقوقهم.
  • التأثير المتبادل للفساد على العلاقات السياسية التجارية والأمنية وتقويض هذه العلاقات لإمكانية تطوير التنمية الاقتصادية.
  • عزلة النظام وتآكل مكانته في العالم الخارج وفقدان احترام الدولة في الأوساط الإقليمية والدولية.

الآﺛﺎر الاجتماعية

  • يؤدي الفساد إلى المزيد من التهميش والاقصاء الاجتماعي والاقتصادي لطبقات المجتمعات الفقيرة الأوسع جراء تحويل الموارد العامة في غير صالح الشعب، وكان من الممكن أن تستفيد منها في برامج مثل برامج الانفاق على الشرائح والطبقات العريضة من الفقراء والمهمشين، وقطاعات التعليم والصحة والإسكان والغذاء وتمكين المرأة، والخدمات الاجتماعية الأخرى.
  • تفشي الفساد يزيد الفقر ويشجع على بروز النعرات الفئوية والعشائرية والمناطقية، ويزيد من موجات الفوضى والارهاب. (حيث أن إحساس المواطن بالاضطهاد والمظلومية كثيراً ما يتم تفسيره كمظلومية مناطقية أو طائفية أو قبلية أو حزبية؛ فتصبح هذه الفكرة جانباً عقائدياً في تمترسه خلف هذه العصبويات أو الجماعات الارهابية)
  • اهتزاز الثقة بنظام ومؤسسات الحكم وافتقاد روح المواطنة والمواطنة المتساوية نتيجة تدهور قيم العدالة والانصاف، والمعاملة التفضيلية والتميزية بين المواطنين.
  • إفساد منظومة القيم الأخلاقية للمجتمع وقيم النزاهة، جراء تعمم سياسات الفساد والإفساد التي تقودها النخبة الحاكمة، وإحلال بيئة وسلوكيات الفساد في الثقافة والوعي المجتمعي، والشعور باحتقار النظام والقانون (الذي يحمي القوي) وبحالة اللامبالاة واللامسوؤلية تجاه الوطن، واللهث وراء المصالح الخاصة، ونسج علاقات وسلوكيات فاسدة في محيط علاقات السلطة بالمال والأعمال من أجل الإثراء السريع.

ومن آثاره أيضاً:

  • تخوف المستثمرين من توظيف أموالهم في اليمن، بسبب عدم استقلالية القضاء. وخضوعه لضغوط السلطة التنفيذية، ولأن تطبيق القانون أمر غير مضمون.
  • صعوبة عمل الشركات الأجنبية في اليمن من دون وكلاء أو “سماسرة حماية”.

أبرز آليات ومظاهر الفساد في اليمن

  • درجت الحكومة على تكييف وتسييس الإحصاءات والبيانات الرسمية لإخفاء التراجعات والإخفاقات الاقتصادية والاجتماعية ولتظهر بدلاً عنها إنجازات وهمية.
  • الأنظمة واللوائح المتعلقة بالاستثمار غير شفافة وغير متجانسة ولا مضمونة التطبيق، فبالرغم من وجود قوانين للاستثمار في اليمن، لكنها تطبق بشكل عشوائي.
  • عدم كفاءه إدارة الجمارك.
  • تعثر إصلاح الخدمة المدنية التي يستشري فيها الفساد، وعدم كفاءة البيروقراطيين.
  • تسخير الموازنات العامة للدولة، كأحد أدوات الفساد، ويتم عبر تخصيص إعتمادات مفتوحة وغير مبوبة، تنفق منها السلطة العليا دن حدود أو ضوابط كيفما تشاء.
  • تخصيص إعتمادات كبيرة للمؤسسة العسكرية والأمنية غير قابلة للمناقشة أو للمساءلة وأخرى لقطاع المشايخ، ميزانية شؤون القبائل، ناهيك عن الموازنات الإضافية أو ما تسمى “الاعتمادات الإضافية”.
  • بعض الإيرادات العامة للدولة، لا تدخل أصلاً ضمن الموازنات العامة.
  • نظام التعامل بالمناقصات من أخطر آليات الفساد من حيث أن مقاولات ومشتريات الحكومة لا تخضع لعروض وضوابط المنافسة القانونية المتكافئة، وينطبق الأمر ذاته على المزايدات عند بيع وخصخصة المنشآت والمؤسسات المملوكة للدولة، إذ تتحول العقود الحكومية وعمليات الخصخصة إلى هدايا يوزعها الحاكم على مراكز النفوذ.
  • الشركات الأمريكية عندما تريد الحصول على عقود استثمارية في اليمن تتحايل ضمن مناخ الفساد السائد، فيقومون باستئجار وكلاء محليين لتقديم الرشاوى نيابة عنها للمسؤولين الحكوميين حتى تكون صفحتها بيضاء أمام القضاء الأمريكي.
  • ظاهرة قوائم الجنود الوهمين وما يترتب عليها من نهب للرواتب والتغذية وغيرها من المخصصات.
  • الحسابات البنكية الرسمية لبعض الوحدات العسكرية الكبيرة منها والايرادية تحولت إلى أسماء أشخاص قادة تلك الوحدات.
  • قيام أفراد بإبرام كافة صفقات السلاح بصورة شخصية دون علم البرلمان، ولا القنوات الرسمية في الحكومة ووزارة الدفاع.
  • الاستيلاء على المؤسسة الاقتصادية اليمنية، وهي مؤسسة عسكرية تتبع السلطة العليا مباشرة، وتزاول مختلف ميادين التجارة والاستيراد والاستثمار التصدير والنقل.
  • الهيئة العامة للاستثمار تحجب وتتحايل على المؤشرات الحقيقة للاستثمار بإصدار تقارير تحوي كمية بيانات عامة كاذبة، من دون تحديد المشاريع المنفذة فعلاً والمتعثرة، والمشاريع الوهمية.
  • السياسة الادارية والتقنية للجهاز المركزي للإحصاء تعمل على إقصاء الكوادر ذوي الخبرات والمؤهلات العالية وإتباع سياسة أمنية متشددة، مناخ من التعتيم والسرية المفرطة التي تتعارض مع قيم الشفافية وحرية الحصول على المعلومات.
  • امتداد عمليات تسييس وإفساد البيانات والمسوحات الاحصائية الميدانية الممولة من البنك الدولي، مثل انتاج القوى البشرية، نتاج قوة العمل ومعدلات العمالة والبطالة. الإعالة، إنفاق الأسرة، دخل الأسرة.
  • تعتيم البنك الدولي على برامج الاصلاح والتنمية “برامج التكييف الهيكلي” إذ تظل معظم جوانب الإصلاح سرية، من قبل البنك الدولي والحكومة اليمنية، ليشمل البرلمان وهيئات المجتمع المدني ومؤسسات الدولة الرقابية وحتى القطاع الخاص. وهذا التعتيم يجري بطريقتين إما بحجب البيانات والمعلومات أو نشر ملخصات شديدة الايجاز والعمومية عن تلك المشاريع.

 حزب المؤتمر الشعبي العام الحاكم.

المؤتمر أحد آليات الفساد، ويلعب دوراً سلبياً عن طريق استخدام المال العام في الاستقطاب السياسي، وتوسيع دائرة الموالين للسلطة الحاكمة، وتوزيع العطايا والمكافئات المالية، والاعتمادات سواء للأفراد أو للشخصيات العامة، أو الأحزاب الصغيرة الديكورية، لإبقائهم في الحظيرة السياسي.

إضافة إلى الدور الذي يلعبه الحزب في تشويه الحقائق عبر وسائل إعلامه العديدة في إضعاف واستنساخ الصحف الأهلية والحزبية المعارضة وشقها، وتدمير التنظيمات السياسية، وإضعاف المجتمع المدني، بما يفضي إلى مسح التعددية السياسية والعملية الديمقراطية الناشئة. فضلاً عن تسييس الوظيفة العامة والتعيينات والامتيازات الوظيفية والترقيات وحصرها فقط على المنتمين إلى الحزب الحاكم.

الجمعيات الخيرية للحزب الحاكم التي تتشكل مصادر دخلها من الاعتمادات الكبيرة التي تأتي من خزينة الدولة، بصورة غير مقننة، من التبرعات القسرية التي تفرضها أقطاب السلطة على رجال الأعمال، والمستثمرين بين الحين والآخر وخلال المحطات الانتخابية المختلفة.

أساطيل السيارات الحديثة، التي يستوردها النظام بالمال العام ويوزعها بسخاء لشراء الذمم في المواسم الانتخابية والأزمات السياسية، لكسب الولاء واسترضاء النخب العسكرية والمشيخية وحتى السياسة الحزبية.

فرض الاتاوات غير القانونية على البيوت والمؤسسات التجارية والاستثمارية في المواسم الانتخابية في كل أزمة تواجهها السُلطة، أو في حالات المعاقبة والانتقام.

آلية خصخصة عقارات وأراضي الدولة

  • أصبحت هذه الآلية أحد وسائل السُلطة لاسترضاء البعض، وقد سببت مثل هذه السياسة حالة من شراء الذمم وتوسيع دائرة الولاء وتكالب وتهافت المتسلقين الذين يسخرون قواهم ومواقفهم في خدمة النظام.
  • توزيع الأراضي البيضاء الواسعة بصورة عبثية في بعض المحافظات لغير أبناء المنطقة (مما يولد عصبويات مناطقية طائفية، وتعد محافظة الحديدة أبرز المحافظات التي تعاني من هذا الشكل من الفساد تليها المحافظات الجنوبية وخاصة عدن).
  • اعطاء الضوء الأخضر للمتنفذيين للاستيلاء بقوة السلطة على أراضي الدولة، وأراضي المواطنين، وعلى أراضي المؤسسات والتعاونيات والجمعيات، لتتشكل على أثر ذلك مراكز نفوذ أو يمكن تسميتها بمافيا الأراضي.
  • اشتملت سياسة الإفساد أيضاً على التباطؤ أو التململ المقصود في اتخاذ المعالجات القانونية القضائية السريعة، لحسم قضايا الأراضي الخلافية لتأجيج الصراعات والمواجهات ليستفيد النظام من المناخات الاجتماعية هذه، بما يضمن له المزيد من السطوة وتعزيز سلطته.
  • تختلف حدة آليات الفساد والإفساد من واحدة لأخرى، إلا أن ما يجمعها هو تكريس الفساد لاستمرار بقاء الحكم.

أهم تلك الآليات:

السيطرة على مفاصل المؤسسات المالية وخاصة الايرادية من خلال العناية الفائقة في اختيار الوزراء والمدراء والرؤساء المعنيين بمعايير الولاء المطلق والاستعداد التام لتنفيذ التوجيهات العليا وبالذات التوجيهات المخالفة للأنظمة والقوانين.

اﻟﻘﻄﺎع اﻟﺨﺎص ﻳﺘﻜﻴﻒ ﻣﻊ ﻋﻼﻗﺎت اﻟﻔﺴﺎد

  • أصبح المناخ الاستثماري في اليمن يشكل بيئة طاردة لرؤوس الأموال الوطنية والأجنبية لأسباب عدة منها التعثرات والإخفاقات التي تواجهها سياسة الاصلاح الاقتصادي والسياسي وضعف الدولة، وغياب العمل المؤسسي في إدارة التنمية الاقتصادية والاستثمارية فضلاً عن الحالة الأمنية غير المستقرة.
  • تفرد السلطة العليا في معظم المقاولات والمناقصات الحكومية وعمليات الخصخصة لمؤسسات القطاع العام وامتيازات الشركات النفطية والوكالات الخدمية والتجارية وحتى الاعفاءات الضريبية والجمركية للمقربين والموالين ولمراكز النفوذ خارج النظام والقانون، الأمر الذي خلق حالة من الصراع التنافسي فيما بين القطاع الخاص تشاركهم فيه بقوة فئات من الرأسمالية الطفيلية، المشكلة من أنجال الضباط والمشايخ الذين صعدوا من قاع المجتمع، وأصبح جميعهم يتكالبون على عقود من المناقصات والمقاولات.
  • يُفسر رضوخ القوى الاستثمارية التقليدية لابتزاز السلطة السياسية بأنها أمام خيارين فإما دعم السُلطة مقابل بعض المناقصات والمقاولات الحكومية التي يمنحها الحاكم بين الحين والأخر، وإما تمنعهم بوقوفهم ضد رغبة الحاكم، مما يلحق بمصالحهم في هذه الحالة أضرار ماحقة.
  • أما بالنسبة لفئة شرائح القطاع الخاص المتطفلة، فهي لم تكن تحلم بأن تصل إلى ما وصلت إليه لولا خدمتها للنظام الذي تعتمد عليه في وجودها ونموها، فهي تقف معه وتدعمه بوضوح، لأن سقوط النظام هو سقوط لها. وحفاظاً على مصالحهم المتبادلة والمتناقضة فإن الفريقين يدخلون في علاقة الفساد والافساد ويدافعون عنها.
  • يشكو المستثمرون من المتنفذين من أصحاب القرار الذين يشغلون المناصب الوظيفية العليا ويمارسون التجارة في آن واحد بمخالفة الدستور.
  • ﺗﻌﺪد ﺣﻠﻘﺎت اﻟﻮﺳﺎﻃﺔ ﺑﻴﻦ اﻟﻤﺴﺘﺜﻤﺮﻳﻦ واﻟﺴﻠﻄﺔ اﻟﻌﻠﻴﺎ.

ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻳﺘﺤﻮل اﻟﻔﺴﺎد إﻟﻰ ﻣﺆﺳﺴﺔ

لقد تمكنت أنظمة عربية فاسدة بفضل بقائها في الحكم لأكثر من جيلين من التوغل، في كل شرائح النسيج الاجتماعي، وخلق شبكات مستفيدة في مواقع السلطة والنفوذ، فكان كلما توغل الفساد أكثر في شكل مافيا (أي شبكة فساد ضاغطة)، كلما صعب  مقاومتها من خلال التدابير القانونية، لأن المافيا تعمل ضمن الدولة وداخلها وليس من خارجها، إذ يدخل الفاسدون الكبار في النظام ويصبحون قيميين على الدولة إلى درجة أنهم يقبضون على التشريع والمحاسبة والملاحقة، ويتحصنون بالتالي من خلال السُلطة والقانون وما توفره لهم السُلطة من إمكانيات وامتيازات.

 تعتبر البيئة الحاضنة الرئيسية لانتشار الفساد بجانب اختلال المنظومة السياسة والحقوقية، سيطرة البنى القبلية والطائفية والعسكرية على السُلطة، واقتصاد ريعي تستبيح السلطات الفاسدة عائداته، وفي ظل تعطيل شبه كامل لوظائف المؤسسات الدستورية للدولة فيصبح الحكام بذلك غير خاضعين للمساءلة.

 (لا يوجد “بنى طائفية” بل أشكال وعي طائفي، يحملها أناس البُنى من القبلية وأناس البُنى المدنية أيضاً).

المفكر اليمني أبو بكر السقاف: ” إن بنى الدولة الريعية الاستبدادية تتشابه سواء في الأنظمة العسكرية، أو في الدول السلطانية التي لا تحتكر قوى الجيش والأمن فقط، بل ومصادرة القوة أيضاً وهوَ المال العام، ويكون التفاوت في نسبة الاستيلاء على الثروة الجاهزة، من قبل الأقلية الحاكمة، التي لا تصنعها، ولا تساهم في إنتاج شيء ذي بال في حياة البلاد. إنها تعيش على الريع وتكتسب بذلك استقلالاً نسبياً عن رعاياها، وهوَ مصدر أساسي من مصادر قوتها، والدولة الريعية نقيض الديمقراطية لأن الصراع فيها مصدره التنازع على الثروة وتقاسمها (وليس على إنتاجها)، ولذا تبدو الدولة الريعية مالكة الثروة الوحيدة، والقائمة على توزيعها الدولة وهذا هوَ أسلوب الإدارة المفضل عندها لأنه يضمن الولاء للسلطان. ولا يسمح لأي تغيرات في النظام إلا من داخله”. [1]

أصبحت العائدات النفطية، تغذي إفساد القضاء وضعف المجتمع المدني وانعدام الكفاءة، وتزيد من مركزة السُلطة، وتنشئ رأسمالية أقارب وأتباع.  فيغدوا الانفاق سرطاناً لا يمكن إيقافه، إضافة إلى تمويل أدوات القمع من سلاح وقوة عسكرية وأجهزة البوليس، وشبكات لتصفية المعارضين، واستخدام الجواسيس والسجون، مدعمة بجهاز قضاء ووسائل إعلام أسيرة لأهواء الحكومة.

عندما يتحول الفساد إلى مؤسسة يجعل من الهيئات الدستورية التشريعية والقضائية – من إعلام وثقافة وتعليم وإدارة وأمن وجيش وانتخابات- وكل أدوات السُلطة في خدمته، وكل ما من شأنه تعميم ثقافة الفساد والإفساد للقيم، ولمبادئ النزاهة، بما يتسق مع المناخ الملائم لنمو الفساد وتحقيق أهدافه.

الفساد والسلطة ودور المثقف (الثوري) في المعارضة

المفكر المغربي عبد الإله بلقزيز: ” مر على البلاد العربية من الدهر حينٌ كانت الثقافة فيها سلطة، وكانت سلطة المثقف، رأسمالاً يُعتدُّ بهِ المثقف ويرفض أي شكل من أشكال الانتقاص منه. كان أحياناً يحصل صدام بين السُلطة السياسية وبين السلطة الثقافية فيذهب المثقفون إلى السجون أرتالاً متعاقبة ولم يكن ذلك بالنسبة إليهم إلا الثمن الذي يمكن أن تدفعه الثقافة لقاء حفظ شرفها واستقلاليتها، كان هذا من قبل ثلاثين عاماً؛ لكن سرعان ما تحولت العلاقة ما بين السلطان السياسي والسلطان الثقافي، فبتنا نشهد أشكالاً من التحول باتت فيها السُلطة قادرة على الاغواء.  ففي الثلاثين عاماً الأخيرة شهدنا تدهوراً في الشروط الاجتماعية والاقتصادية التي يمثل المثقفون جزءاً منها، وهذا العصر هو عصر اضمحلال الطبقة الوسطى التي كانت الحاضنة الاجتماعية لهؤلاء المثقفين والتي كانت أوضاعهم قبل هذا العصر، تسمح لهم بالنزر اليسير من الاستقلال عن موقف السُلطة. أما مؤخراً فقد حصل للبنية الاقتصادية والاجتماعية في المجتمع العربي تدمير منظم، ومنهجي، من نتائجها انهيار المكانة الاعتبارية الاقتصادية، داخل المجتمع، ونحن اليوم نشهد طوراً ثالثاً أعقب طور جسر الفجوة بين المثقفين وصانعي القرارات أو طور الزواج شبه الكاثوليكي بين الثقافة والسياسة في البلاد العربية، وهوَ طور الاستتباع الثقافي”.[2]

أبرز السياسات التي يتبعها الحاكم لضمان، مأسسة الفساد

يعين في قيادات الوحدات العسكرية والأمنية الرئيسية أقرباءه وأصهاره، وأبناء قبيلته، ويمنحهم أعلى الرتب القيادية، والاستقلالية عن وزارة الدفاع وهيئة أركانها.

يسلب قيادات وزارة الدفاع وهيئة الأركان صلاحياتها وسلطتها عن المؤسسة العسكرية بإعادة هيكلتها خارج الإطار المؤسسي الوطني.

ﻳﻌﻤﻞ ﻋﻠﻰ ﺗﻌﺪدﻳـﺔ اﻷﺟﻬﺰة ﺍﻷﻣﻨﻴﺔ اﻟﺮﺳﻤﻴﺔ واﻟﺴﺮﻳﺔ وﻳﺨﻠـﻖ ﻟﻬا أدواراً إﻟﻰ ﺟﺎﻧﺐ ﻣﻬﺎﻣﻬﺎ اﻟﻘﻤﻌﻴﺔ، ﺑﺈﺳﺘﻴﻌﺎب اﻟﻄﻴﻌﻴﻦ ﻣﻦ أﺑﻨﺎء اﻟﺮﻳـﻒ واﻟﻘﺒﺎﺋﻞ اﻟﻤﻮاﻟﻴﺔ، واستبعاد ذوي اﻟﻜﻔﺎءات واﻟﻤﺆﻫﻼت وأﺑﻨﺎء اﻟﻤﺪن.

 توزيع المقاعد في الكليات العسكرية والأمنية كوتات (حصص) لأقطاب الأسرة والنخبة الحاكمة.

يغدق على كبار الضباط الهبات والعطايا والأراضي وحتى الشهادات العلمية العليا.

يحرص على خلق قطيعة وحالة عداء وخصومة مستديمة بين المؤسسة الأمنية والعسكرية من جهة، وبين مكونات المجتمع المدني من جهةٍ ثانية.

ومن آليات الفساد والإفساد أن السلطة الفاسدة تسعى إلى تعميم وتوسيع رقعة الفساد عن قصد ووعي بهدف زيادة أعداد المنتفعين الموالين لها لدعم استمرارية النظام؛ فهي تشجعهم على ممارسة الفساد وتوفر لهم فرص وإمكانيات الاثراء غير المشروع وفي الوقت ذاته تكلف استخباراتها وأجهزتها الرقابية والمحاسبية برصد وتوثيق كل وقائع الفساد، وتحتفظ بها في أرشيف خاص، ملفات شخصية لكل فاسد، لتضمن طاعتهم وانقياداهم لأي توجيهات فوقية، ويصل الأمر في كثير من الأحيان إلى تكليفهم بالاختلاس والسرقة بالوكالة لصالح مراكز النفوذ في السلطة العليا، وإذا ما حاول الفاسد الخروج عن طاعة ولي الأمر تحال قضاياه إلى النيابة والمحاكم، ويتم ابتزازه وتفتح له ملفاته وتكشف سوابقه وفضائحه عبر الاعلام الموالي والرسمي، وبكلمات أخرى يظل الفاسد في ظل الحكم الاستبدادي الفاسد رهينة تدار بالريموت كنترول يستغل النظام مثل هذه الحالات الانتقائية وأحياناً توظيفها في تحسين صورته، أمام الرأي العام المحلي وأمام الجهات المانحة كنظام يبذل جهوداً في مكافحة الفساد.

التحالف العسكري القبلي

الباحث اليمني فواد الصلاحي: “إن سلطة ما قبل الدولة التي نشهدها تنتج مجتمعاً على شاكلتها، كما أن الدولة التي تأتي من رحم القبيلة ورحم المؤسسة العسكرية، ليست بدولة ديمقراطية، لأن كلا المؤسستين، القبلية والعسكرية، ليستا ديمقراطيتين، ولأن النظام السياسي الناتج عنهما لا يفسح المجال أمام التحديث السياسي والبناء الديمقراطي”.

(كل الدول والمجتمعات المتمدنة انبثقت من رحم القبائل والعشائر في مسيرة التطور الاجتماعي للبشرية، والأصح أن سُلطة الدولة المنبثـقة من سلطة النخبة القبلية أو التي تدعمها العصبية القبلية، تقف عائقاً أمام التحديث والديمقراطية، وليس القبيلة ذاتها والتي هي شكل تنظيم اجتماعي تاريخي مرت به كل الشعوب في العالم).

“أدت هزيمة الجنوبيين في حرب 1994 إلى تعزيز تركيبة الفساد الاقتصادي والسياسي في اليمن، فلقد صودرت الأراضي والمشاريع والموارد والمصادر الأخرى الجنوبية، ووهبت للنخب الشمالية، وتحاول السُلطة تهدئة الجنوبيين عن طريق التمثيل السياسي لشخوص جنوبية، وعن طريق توزيع عقود مربحة وامتيازات اقتصادية أخرى”.[3]

التقت مصالح الزعامات القبلية مع الشرائح الطفيلية في رفض سيادة القانون، والانحراف بالسلطة إلى ممارسة الفساد والإثراء غير المشروع، كما التقت مع التيارات السياسية التي تستخدم الخطاب الديني وتكفر دعاة التغيير والتحديث.

تم اختزال دور المؤسسات في ثقافة الطاعة، بتشكيل “نظام أوامري” فردي يلغي من الناحية العملية المؤسسات التشريعية والقضائية والتنفيذية، لتتحول إلى هياكل فارغة المحتوى، وغلباً ما تصبح الوظيفة الفعلية لهذه المؤسسات هي تنفيذ ما يضخه “النظام الأوامري” من أوامر وتوجيهات.

ﺗﻮرﻳﺚ اﻟﺤﻜﻢ وﺗﺴﻴﻴﺲ اﻟﻮﻇﻴﻔﺔ اﻟﻌﺎﻣﺔ

نظام الحكم في اليمن هو نظام شمولي يجمع بين النظم القبلية والعائلية كعنصر أساسي في ضمان الفردية التي تعتمد على الفساد في استمرار حكم القبيلة والعائلة والفرد، وضمان الولاء لها، ومثل هذه النُظم، يخضع التعيين في وظائفها ومناصبها العليا، لمعايير القرابة والانتماءات لقبلية والمصالح المادية دون الاستحقاقات والكفاءة.

 إن الأنظمة الحاكمة على هذه الشاكلة، تمارس سياسة أقرب إلى سياسات الأنظمة الإقطاعية، فهي تنظر إلى موارد وخيرات البلاد كأنها من ممتلكات العائلة أو القبيلة، أو العائلة الحاكمة، وأن مراكز السلطة العليا المدنية والعسكرية والأمنية والمفاصل الايرادية في الدولة هي من حق العائلة وهم الأولى بهم قبل غيرهم.

لقد أصبح ملحوظاً التوسع الكبير في قاعدة توريث الوظائف العليا لتمتد المستويات الفوقية إلى المستويات الأدنى، في أجهزة ومؤسسات الدولة، ولتصبح المواجهة جراء ذلك مع مؤسسة متشابكة العلاقات والمصالح تسيطر على مراكز اتخاذ القرار وتدير جانباً كبيراً من العملية الاقتصادية من داخل مؤسسة التوريث التي يتم من خلالها الاستحواذ على أجزاء كبيرة من الموارد سواء الاستيلاء عليها من المنبع مباشرة أو الاستيلاء عليها من خلال التسهيلات الكبيرة التي تقدمها لغرض الحصول على تلك الموارد.

 لم يعد التوريث مقصوراً على السلطة العليا، كما هوَ الحال لكبار المشايخ وتنصيب أنجال الضباط ومسؤولي الدولة في المستويات القيادية للوزارات والمؤسسات الحكومية ووحدات الجيش والأمن، فقد أصبح من المعتاد أن نسمع عن برلمانيين يدفعون بأبنائهم للترشح في الانتخابات البرلمانية تحت رعاية الحزب الحاكم.

وهكذا في القضاء، يورثون مناصبهم القضائية لأبنائهم في المحاكم، ولم يكتف النظام بذلك، بل وصل الأمر في تسييس الوظيفة العامة، إلى إقصاء الموظفين المعارضين، من غير الحزب الحاكم، ومنع الترقيات عن العديد منهم، والتحكم بحركة التنقلات القضائية.

ما يعكس جوهر السياسة التي تكرسها السلطة لتوسيع دائرة الولاء بما يضمن العوامل والمقومات لتوريث كرسي الحكم، واستمرار النظام وحماية مصالحه، ومصالح أقطابه.

الفساد والإرهاب: 

الفساد هو الراعي الكبير للإرهاب، وليس جديداً القول بأن التدهور المتواصل في الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية وأوضاع الحريات في اليمن يشكل مرتعاً خصباً لنشاط الجماعات الارهابية. وأصبح من الجلي بأن النظام درج على استخدام الجماعات الإرهابية من أجل السيطرة وتفعيلها كنوع من توازنات القوى، والتي تتلقى رعاية مادية وسياسية وحتى عسكرية فأضحت تتمتع بنفوذ قوي، وعلى ما يبدو أن مثل هذا الأمر إلى جانب عوامل أخرى لم ترق للغرب والولايات المتحدة الأمريكية التي استفزتها سياسة كهذه، خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وما تبعتها من تداعيات، إضافة لكون اليمن تقع في منطقة استراتيجية حساسة وقريبة من المصالح الغربية.

اﻟﻔﺴﺎد اﻟﻴﻤﻦ ﻓﻲ اﻟﻘﻄﺎع اﻟﻨﻔﻄﻲ ﻓﻲ اليمن

أضحى الفساد في اليمن، بمثابة وباء مدمر يبتلع مقدرات وموارد التنمية الشحيحة ويجهض الجهود الرسمية والمجتمعية وأية محاولات لإصلاح الأوضاع الاقتصادية الاجتماعية، ويحرم الخزينة العامة منها، ويقف حجر عثرة أمام قدوم الاستثمارات الأجنبية والمحلية.

 تشكل الإيرادات النفطية نسبة عالية في الموازنة الرسمية، حيث بلغت 68% و70% من اجمالي ايرادات موازنة العامين 2005 و2006م، أي أن العائدات النفطية تغطي عادة ثلاثة أرباع الموازنة العامة للدولة. وتعتبر الصادرات النفطية، المصدر الرئيسي الوحيد تقريباً لما تحتاجه البلاد واقتصادها من العملة الصعب.

آﻟﻴﺎت وأﺷﻜﺎل اﻟﻔﺴﺎد ﻓﻲ اﻟﻘﻄﺎع اﻟﻨﻔﻄﻲ

قطاع النفط يظل المرتع الخصب لفساد السُلطة ومراكز النفوذ بمستوياتها العليا، وما يرافق ذلك من ممارسات شديدة التعتيم على معظم البيانات الرسمية المتعلقة بعائدات القطاع النفطي وطريقة استثمارها وإنفاقها.

قطاع الايرادات النفطية في وزارة المالية، لا يعرف شيئاً، ولا يتلقى أي بيانات عن حجم الصادرات الفعلية، باستثناء البيانات المسموح بإعلانها والتي تصل بعد مرور أسابيع عديدة، إذ أن موانئ ومراكز التصدير محظور دخولها، أو الاقتراب منها حتى على الأجهزة الرقابية الرسمية المخولة قانونياً ومنها الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة، كما لا يعرف القطاع شيئاً عن سياسة أسعار الصادرات وآلية احتسابه، كذلك الأمر بالنسبة لكيفية تدفق أو توزيع مشتقات النفط في محافظات ومناطق البلاد.

منظمة الشفافية العالمية، في تقريرها عام 2004 قالت بأن اليمن ضمن 14 دولة نفطية في العالم، متهمة بإخفاء جانب كبير من عائداته النفطية، في جيوب مديري الشركات الغربية المنتجة والوسطاء والمسؤولين المحليين.

رئيس مجلس النواب السابق، عبد الله بن حسين الأحمر قال بأنه لا يعلم شيئاً عن حجم النفط المستخرج أو المباع “لا أنا كرئيس لمجلس النواب ولا أعضائه“.[4]

الفساد عبر الاعتمادات الاضافية، هو شكل من أشكال الفساد الرسمي، في اليمن للاستيلاء مراكز النفوذ على جانب كبير من إيرادات حكومية معظمها عائدات نفطية.

الاعتمادات الإضافية إجراء مخالف للقانون المالي رقم 8 لسنة 1990م الذي يحصر عملية فتح الاعتمادات الإضافية في الحدود الطارئة والضيقة لمواجهة نفقات غير قابلة للتأجيل، في الضرورة القصوى، لا أن يتكرر فتح الاعتمادات الاضافية كعادة سنوية، وباعتمادات ففي بعض السنوات – كما حصل في العام 2005-  وصلت نسبتها إلى 54% من إجمالي نفقات الموازنة المالية العامة لنفس العام.

مضمون طلبات الحكومة للاعتمادات الإضافية وطريقة تقديمها بصورة متكررة، تتم بالاشتراك مع الأغلبية البرلمانية  للحزب الحاكم،  هي إجراء غير قانوني، تمارسه الحكومة سنوياً للتغطية على مخالفات وتبرير الإنفاق المسبق الغير قانوني، أو تغطية المخالفات اللاحقة، الناجمة عن الفارق بين السعر التقديري المثبت  في موازنات الدولة، للمبيعات المفترضة من النفط ، والسعر الفعلي لمبيعاته وفقاً لأسعار البورصة العالمية؛ حيث تقوم الحكومة فيما يسمى بطلب “الاعتماد الإضافي” بتوزيع الشكل الاجمالي المتحصل من تلك الفروق من إيرادات إضافية أخرى خاصة كالضريبة، ويتم توزيعها على بنود ومتطلبات وهمية ومسميات مبهمة.

معظم الاعتمادات الإضافية يتم تخصيصها لكل من وزارتي الدفاع والداخلية والأمن ولرئاسة الجمهورية، ولما يُسمى بالاعتمادات المركزية، (ما يسمى بالاعتمادات المركزية لا يوجد فرق بينها وبين ما يؤخذ باسم الاعتمادات لوزارة الدفاع والداخلية ورئاسة الجمهورية، فهي منفذ آخر لممارسة نفس النهب) ناهيك عن أن صرفيات كبيرة من هذا الحساب دون تحديد دقيق لجهات أو أهداف إنفاقها، وكما هوَ معمول به تتم بتوجيهات رئاسية.

 من جهة أخرى درجت الحكومة على تضمين طلباتها بالاعتمادات الاضافية، تحت مسميات غريبة مثل، حتمية التنفيذ الفعلي لرئاسة الجمهورية، حتمية التنفيذ الفعلي لرئاسة الوزراء، حتمية التنفيذ الفعلي لوزارة الدفاع والداخلية، والتزامات لمشاريع قيد التنفيذ، والتزامات قائمة مقابل تغطية جزء من العجز القائم.

كذلك تذهب الإعتمادات الإضافية مقابل أتعاب وتكاليف المرافعات القضائية، بسبب فساد إجراءات التعاقد، الحكومي مع الشركات الأجنبية ومنها النفطية، فبعد كشف مجلس النواب عمليات فساد مشبوهة، ألزم الحكومة بإلغاء الاتفاقيات التي أبرمتها مع تلك الشركات، التي بدورها تلجأ إلى مقاضاة الحكومة اليمنية، وبدلاً من محاسبة المسؤول الحكومي الذي أبرم هذه الاتفاقيات، يتم رصد عشرات الملايين من الدولارات من الاعتماد الإضافي، مقابل أتعاب وتكاليف المرافعات القضائية الدولية أو كتعويض للشركات.

 وهذا يعني بأن أطراف الفساد العليا تستلم عمولات ورشوات بملايين الدولارات من الشركات الأجنبية التي تبرم العقود معها، ثم تفرض الحكومة على الشعب أن يدفع من موارده العامة التعويضات أو ما تسمية الحكومة “التسويات الودية”، ناهيك عن آثار توقف العمل في تلك المشروعات.

في ذات الوقت الذي تلهث فيه الحكومة وراء بضعة ملايين الدولارات كمساعدات خارجية وقروض “لإخراج البلاد من أزمتها الخانقة”. فيما الفساد الرسمي عبر الاعتمادات الإضافية، يفوق ما تأخذه الدولة من قروض ومساعدات أجنبية، وقد بلغت هذه الاعتمادات الاضافية المتأتية من فارق أسعار النفط ما يقارب مليار دولار بين عامي 2000 حتى 2008م وهو مبلغ كان بالإمكان أن يسهم بقوة في اجتثاث الفقر من جذوره لو أنه تم توجيهها بصورة سليمة وشفافة.

الحكومة رفضت توصيات مجلس النواب على مدى السنوات الماضية، التي تقضي بفتح صندوق أو حساب في البنك المركزي لتورد إليه المبالغ الناتجة عن فارق أسعار النفط، ولا يكون الصرف منه ‘إلا بحسب القانون وبعد موافقة البرلمان”.

إن طلبات الاعتماد الاضافي تحولت إلى وسيلة خطيرة من وسائل الفساد الرسمي، الأمر الذي يفسر ضغوط الجهات المانحة والبنك الدولي على الحكومة، لرفع الدعم عن النفط، وبيعه وفق أسعار السوق العالمية.

اﻟﻔﺴﺎد ﻋﺒﺮ ﺗﻬﺮﻳﺐ اﻟﻤﺸﺘﻘﺎت اﻟﻨﻔﻄﻴﺔ

 كبار المتهمين بتهرب النفط، وهم بعدد أصابع اليد، يملكون ويحتكرون نشاط التهريب، تقف خلفهم، شخصيات في أعلى هرم السُلطة. وتتم عمليات التهريب على طول الموانئ اليمنية والشريط الساحلي، من البحر العربي إلى البحر الأحمر.

 يستخدم المهربون، في عمليات التهريب، شركات صيد أسماك، تمتلك قوارب صيد وبواخر متوسطة، يجلب المهربون أو يستأجرون قوارب صيد ويسجلون أرقاماً وهمية لقوارب الصيد هذه، ويستلمون من المصافي كميات من الديزل المخصص لها في إطار دعم الصيادين، ثم يقومون ببيعها بالسعر العالمي على مافيا تهريب النفط في عرض البحر.

 شركة مصافي عدن ضالعة في تهريب النفط، إذ تقوم بإخراج كميات كبيرة من النفط باسم مخصصات محافظات، ثم تقوم ببيعها في عرض البحر.

عبر توجيهات رئاسية تصرف المصفاة وشركة النفط كميات كبيرة من الديزل، تتراوح بين 3 إلى 5 ألف طن لعدد من النافذين، ثم يتم بيعها في عرض البحر.

شكل آخر من أشكال الفساد النفطي، أن الوكالات المحلية الملاحية تتلقى طلبات من السفن بتزويدها بالوقود فتقوم هذه الشركات بشراء الديزل بالسعر المحلي المدعوم من الشركة اليمنية لتمويل البواخر بالوقود، ثم تقوم ببيعه في عرض البحر على السفن الأجنبية بسعر السوق العالمي، وتحرم الموازنة العامة منه.

 يساعد على عملية التهرب الضعف الشد للرقابة على عمل الوكالات والشركات التجارية وعلى الاتصالات بين فروع شركة النفط في المحافظات وهذه الإشكالات مقصودة، لتسهيل عمليات الفساد والتهريب.

  بل إن عمليات الفساد قد أخذت أشكالاً أبعد من كل ما سبق، إذ تقوم ببيع النفط الخام المدعوم، فشركة مصافي عدن، تحصل على خصم خاص على مشترياتها من النفط الخام، فتقوم ببيعه في عرض البحر وتحرم الموازنة العامة من الفوائد.

 من ناحية أخرى لا يوجد أي نوع من الرقابة على عمليات الفساد، لأن رؤوس التهريب التي تحتكر عملية نقل المشتقات النفطية بين المصافي والموانئ ومحطات الاستهلاك في المحافظات والمدن تقف خلفها شخصيات عسكرية سياسية متنفذة.

 قطاع الايرادات النفطية في وزارة المالية، لا يعلم أيضا أي شيء عن حجم المعفيات ولا يراقبها، وليس لديه سجل شامل، شأنه شأن الجمارك.

 مدخلات الشركات النفطية الخاصة، من الأجهزة وغيرها، التي تقدر بمئات المليارات من الريالات، والتي هي معفية ومخصومة من عقود نفط الكلفة، لا تعود بعد انتهاء العقود، وإن عادت فعلى شكل نفايات وخردة.

أﺷﻜﺎل اﻟﻔﺴﺎد ﻓﻲ ﺷﺮﻛﺔ ﻣﺼﺎﻓﻲ ﻋـﺪن

  • عمليات شراء لأصول ثابتة مخالفة للقانون.
  • شراء السيارات بالأمر المباشر دون الرجوع إلى القنوات القانونية الرسمية.
  • تجاوز الصرف حدود الاعتمادات الرسمية خاصة في بند المصروفات.
  • تنفيذ عدد من المشروعات خارج إطار الموازنة بمخالفة قانون المزايدات والمناقصات، ومعظمها بتوجيهات رئاسية.
  • قيام الشركة بتمويل مشاريع في قطاعات أخرى مما يؤدي إلى فشل مشاريع الشركة ذاتها.
  • نفس المخالفات القانونية في شركة النفط، تنطبق على الشركة اليمنية للغاز.
  • خلو الحسابات الختامية من الضرائب المفروضة على دخل الشركات الأجنبية العاملة في البلاد.
  • وزارة المالية ومصلحة الضرائب لا تستطيعان التعامل مع الشركات النفطية، بصورة مباشرة؛ بل عن طريق شركة النفط، سواء فيما يتعلق بكميات الانتاج النفطية، أو نفط الكلفة، أو حتى الضراب المستحقة للدولة على هذه الشركات.
  • شركات الخدمات النفطية التي يمتلكها في الغالب مسؤولون متنفذون وأقارب بأسمائهم الشخصية أو أسماء أبنائهم وأصهارهم، يقومون بتقديم خدمات نفطية هامشية، ويحسبون تكاليفها بمبالغ مالية هائلة من الحكومة، دون أن تعترض على صرفها الجهات الرقابية، كونها تندرج ضمن ما يسمى بنفط الكلفة.

[1] القضية الكبرى الغائبة. أبوبكر السقاف. النداء العدد 126. 7 نوفمبر 2007م.

[2] الفساد والحكم الصالح في البلاد العربية. عبد الاله بلقزيز، مركز دراسات الوحدة العربية، المعهد السويدي بالإسكندرية. بيروت.2004

[3] الوكالة الأمريكية للتنمية. تقييم الفساد في اليمن. 2006م.

[4]    صحيفة الوسط 23-11-2005م.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق