قانونمقالات

مبدأ الحماية القانونية للصحفيين أثناء ممارسة المهنة 

المنبر اليمني للتوعية الدستورية والقانونية
مبدأ الحماية القانونية للصحفيين أثناء ممارسة المهنة

مبدأ الحماية القانونية للصحفيين أثناء ممارسة المهنة 

 

جمال محمد الجعبي المحامي

 

تنص  المادة( 19) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على أن ” 2- لكل إنسان حق في حرية التعبير .

ويشمل هذا الحق حريته في التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين دونما اعتبار للحدود، سواء على شكل مكتوب أو مطبوع أو في قالب فني أو بأية وسيلة أخرى يختارها.

3-تستتبع ممارسة الحقوق المنصوص عليها في الفقرة 2 من المادة واجبات ومسؤوليات خاصة . وعلى ذلك يجوز إخضاعها لبعض القيود ولكن شريطة أن تكون محددة بنص القانون وأن تكون ضرورية:
(أ) لاحترام حقوق الآخرين أو سمعتهم.
( ب)لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة.

ووفق الشروط الواردة في العهد الدولي فالقيود تكون للضرورة التي تحتمها رعاية مصالح الأفراد والمجموع وفق معيار أن الأصل هو حرية الرأي والقيد استثناء، وقد تضمن الدستور اليمني في المادة(42) منه حرية الفكر والإعراب عن الرأي بالقول والكتابة والتصوير في حدود القانون، ولكن القانون جاء ليسلب هذه الحقوق ويضع أمام هذه المبادئ قيود وعوائق يمكن تشبيهها بحقل إلغاء يمكن أن يقع الصحفي ضحية له عند ممارسة مهام عمله.

 

ففي اليمن تخضع قضايا حرية الرأي والتعبير للمساءلة في قانونين هما قانون العقوبات وقانون الصحافة،  و القانونين يشتركان بوجود عقوبة السجن عند ثبوت وقائع مجرمة بسبب الرأي، ولكن قانون العقوبات تصل عقوبة السجن فيه إلى سنتين وثلاث وخمس سنوات في الوقت الذي لا تتجاوز العقوبة في قانون الصحافة مدة السنة.

 

المحظورات في قانون العقوبات

 

ينظم قانون العقوبات في الباب السادس القسم الخاص جرائم العلانية والنشر في المواد من (192) وحتى (202) وعرف القانون العلانية بأنها الجهر أو الإذاعة أو النشر أو العرض أو اللصق أو التوزيع على الأشخاص دون تمييز بينهم في مكان عام أو مباح للكافة أو في مكان يستطيع سماعه أو رؤيته من كان موجوداً في  مكان عام(م192)..وبذلك فالصحف والمجلات والمنشورات أو المطبوعات هي الأدوات المستخدمة في هذه الجرائم،ويدخل في مجال الصحف المقال والأخبار والصور..

وعدد قانون العقوبات جرائم العلانية والنشر ومنها السخرية من الدين في عقائده وشعائره أو تعاليمه، وازدراء طائفة من الناس، أو تغليب طائفة وكان من شأن ذلك تكدير السلم العام(م194)، ولكن القانون لم يحدد كيف يمكن اعتبار هذا القول أو المقال أو الصورة سخرية من الدين الإسلامي ولا ما هي المذاهب التي يجب عدم تناولها، ويتبع هذا النص المتصف بالعمومية نص يمكن اعتباره نص منضبط وهو المتعلق بالبحث العلمي حيث لا يعد تحريضاً أو إغراء أو تحسينناً إذاعة بحث علمي في دين أو مذهب في محاضرة أو مقال أو كتاب بأسلوب علمي.

 

أما بقية نصوص قانون العقوبات المتعلقة بجرائم العلانية والنشر فتتحدث عن إهانة رئيس الدولة والهيئات النظامية(المادة 197) ونشر أخبار تكدر السلم العام(198) ومن الملاحظ إن في هذه المادة يشترط النص توافر القصد الجنائي الخاص وهو ما يعرف بسوء القصد، و يختلف عن القصد الجنائي العام الذي يفترضه القانون بمجرد ارتكاب الفعل المجرم،والنص متعلق بنشر أخبار ويفرق فقهاء القانون بين الخبر والرأي من حيث إن الأخبار الكاذبة هي تلك التي لا تطابق بعد حقيقة الواقع سواء في مجموعها أم في بعض أجزائها أو تفاصيلها أما التعليق على الأخبار الصحيحة بملاحظات غير صحيحه أو تشويه الحوادث فلا يعد من الأخبار الكاذبة ويملك الصحفي حق التعليق على الأخبار، ولا يعاقب القانون على نشر الأخبار إلا إذا نشرت على وجه يغير صحتها..

أما نشر ما يدور في الجلسات السرية للمجالس التشريعية أو التنفيذية أو القضائية أو المحاكم أو من ينشر بغير امانه وبسوء قصد ما جرى في الجلسات العلنية فيقع تحت طائلة المسائلة الجنائية (المادة198فقرة ثانياً)، ويعاقب قانون العقوبات على من ينشر أو يذيع الأفعال أو الصور المخلة بالآداب العامة (المادة 199) كما يعاقب القانون من يحوز صورة تسيء إلى سمعة البلاد.

 

وفي كل الأحوال فإن قانون العقوبات – ويشاركه قانون الصحافة والمطبوعات – يعاقب رئيس التحرير والناشر والموزع والمستورد كفاعل أصلي ورغم أن أصوات كثيرة تتعالى بعدم دستورية هذا النص ومخالفته للمبدأ الدستوري القاضي بأن المسئولية الجنائية شخصية ولا يسأل الشخص إلا عن جريمة هو مرتكبها، رغم ذلك وبما يحمله النص من افتراض مسئولية رئيس التحرير.

 

المحظورات في قانون الصحافة

 

وردت المحظورات في قانون الصحافة رقم(25) لسنة1990م واللائحة التنفيذية لقانون الصحافة الصادرة بالقرار الجمهوري رقم(49) لسنة 1993م، والتي تتصف بالغموض والاتساع والعبارات الفضفاضة، ناهيك عن عدم دقة تحديد هذه الألفاظ التي جاءت في مصطلحات عامة ومطاطة، تحتمل أكثر من تفسير أو تعليل فعبارات مثل تشويه الحضارة العربية والإسلامية ، والمساس بالمصلحة العليا أو تناول أياً من قضايا الدفاع والأمن يمكن أن تستعمل لتجريم أفعال كثيرة مما لم يقصد المشرع ربما إلى تجريمها عند وضع القوانين المتعلقة بمحظورات النشر، كما أن مصطلح الآداب العامة وما يسيئ لكرامة وسمعة الأشخاص يختلف من مكان إلى آخر في البلد ومن وضع إلى آخر فما يجوز عند فئة من الناس ولا يعتبر مساس بالآداب قد لا يكون كذلك عند آخرين في منطقة أخرى.

 

ورغم أن من مهام اللائحة التنفيذية تنظيم وتفسير مواد قانون الصحافة التي تأتي على سبيل العموم إلا أنها لم توضح الغموض في ألفاظ القانون فقد زادت الغموض بدلاً من إزالته ، وجعلت الساحة واسعة لإساءة التفسير والتلاعب المقصود بنصوص القانون وبالتالي معاقبة صحف وصحفيين على ما لم يقصد المشرع إلى تجريمه.

 

إن المادة(103) من قانون الصحافة تضمنت (12) بند لمحظورات النشر، وهي كما سبق القول عامة وفضفاضة مما يدخل تحتها محظورات تتجاوز أثنى عشر محظور، والغريب أن اللائحة التنفيذية تضمنت (15) مادة تحت كل مادة عدد من البنود لمحظورات النشر، وبعبارة أخرى يمكن القول أن محظورات النشر في القانون اليمني هي الأصل والمباح  نشره هو الاستثناء.

 

ففي القانون يحظر طباعة ونشر وتداول وإذاعة ما يمس العقيدة الإسلامية ومبادئها السامية أو يحقر الديانات السماوية أو العقائد الإنسانية، وما يمس المصلحة العليا للبلاد من وثائق ومعلومات سرية أو إفشاء أسرار الأمن والدفاع عن الوطن،وما يؤدي إلى إثارة النعرات القبلية أو الطائفية أو العنصرية أو المناطقية أو السلالية وبث روح الشقاق والتفرقة بين أفراد المجتمع أو ما يدعوا إلى تكفيرهم، وما يؤدي إلى ترويج الأفكار المعادية لأهداف ومبادئ الثورة اليمنية أو المساس بالوحدة الوطنية وتشويه التراث والحضارة اليمنية والعربية والإسلامية، وما يؤدي إلى الإخلال بالآداب العامة وما يمس كرامة الأشخاص والحريات الشخصية بهدف الترويج والتشهير الشخصي، كما يحظر نشر وقائع الجلسات غير المعلنة لهيئات سلطات الدولة العليا، ووقائع التحقيق أثناء مرحلتي التحقيق والمحاكمة بما يؤثر على سير العدالة والتي يحظر فيها النشر من أجهزة البحث والتحري والادعاء والقضاء، وفي القانون يحظر نشر بيانات أو أنباء أو معلومات أو أخبار غير صحيحة تهدف إلى التأثير على الوضع الاقتصادي وأحداث تشويش أو بلبلة في البلاد، ويحظر أيضاً التحريض على استخدام العنف والإرهاب،أو الإعلانات المتضمنة عبارات أو صور تتنافى مع القيم الإسلامية والآداب العامة، أو قذف وتشويه سمعة الأشخاص أو الاعتداء على حقوق الغير أو تظليل الجماهير،كما أنه من المحظور نشر إعلانات المستحظرات الطبية والتجميلية والمواد الغذائية دون إن تأذن الجهات المختصة، ويحظر أيضاً التعرض بالنقد المباشر والشخصي لشخص رئيس الدولة، ولا أن تنسب إليه أقوال أو تنشر له صور إلا بإذن مسبق من مكتب الرئيس أو وزارة الإعلام ما لم يكن هذا القول أو التصوير تم في حديث عام للجمهور أو مقابلة عامة، ولكن ذلك لا يسري على النقد الموضوعي البناء. 

 

جاءت اللائحة التنفيذية للقانون بأحكام أشد ومحظورات أكثر، ومنها حظر طباعة ونشر وتداول وإذاعة ما يمس المصلحة العليا للبلاد من وثائق ومعلومات سرية ووقائع الجلسات غير المعلنة لهيئات السلطات العليا أو إفشاء أسرار الأمن والدفاع عن الوطن وتعتبر اللائحة أن من محظورات في المجال العسكري والأمني الكشف عن نوعية وحجم القيادة العسكرية لمختلف الوحدات والأجهزة والمعلومات المتعلقة بالشخصيات القيادية وسجاياهم وأعدادهم النوعي والنظري والتخصصي، وكذا اللوائح والوثائق المتعلقة بخطط وبرامج الإعداد القتالي والسياسي وحجم ونوعية التأهيل في المنشآت التعليمية العسكرية والأمنية وكذا القوانين واللوائح والأوامر والتوجيهات القيادية المنظمة لمهام وحياة القوات المسلحة والأمن وكذلك وثائق الندوات والاجتماعات واللقاءات الرسمية للقيادة العامة،وأيضاً الميزانية العسكرية ومواردها وبنود وأساليب صرفها، وبرامج وخطط وتأهيل وتنظيم وتدريب القوات المسلحة والأمن وتسليحها واستراتيجية الدفاع الوطني وكل ما يتعلق بالصفقات العسكرية أو  نشر ما من شأنه إضعاف الروح المعنوية لدى أفراد القوات المسلحة والأمن أو إشاعة ما من شأنه التفرقة بين صفوفهم ويسري هذا الحظر على الصحف المستوردة، كما تحظر اللائحة نشر أي أخبار أو إعلانات مزورة أو فقرات يترتب عليها التسبب في ارتفاع أو انخفاظ السلع أو العملة عن قيمتها المقررة في المعاملات التجارية، أو بهدف الإضرار بالاقتصاد الوطني، و تحظر اللائحة أيضاً نشر أي مواد تحريضية تهدف إلى خلق تصميم لدى أشخاص أو الجمهور لارتكاب أفعال تعتبر جرائم في القانون.

 

الخلاصة:

 

من خلال استقراء نصوص قانون العقوبات وقانون الصحافة ووزنها في معايير التقدم العلمي والتكنولوجي وما بلغه المجتمع الدولي في اتفاقياته والإعلانات الدولية في مجال حقوق الإنسان نصل إلى نتيجة أن القوانين اليمنية في هذا المضمار متخلفة عن مسايرة التطور الإنساني وتغلب ثقافة المنع والتحريم لحرية الرأي والتعبير وما زالت متوقفه عند مرحلة الحرب الباردة ونظرية المؤامرة ولم تواكب التطورات، ولذلك فالحاجة ملحة للعمل على تغيير هذه القوانين بما يتوافق مع حقوق الإنسان وحرية الرأي والتعبير  ووفق مبدأ الحماية القانونية للصحفيين أثناء ممارسة المهنة  ومن ذلك إلغاء عقوبة الحبس للصحفيين، والمساءلة الجنائية لرئيس التحرير عن أفعال غيره.

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق